توظيف أموال المهاجرين في المغرب
كتبهاabdelaziz ERROMMANI عبد العزيز الرماني ، في 7 نوفمبر 2006 الساعة: 20:59 م
الموضوع التالي نشرته بمجلة "نيومان-الإنسان الجديد" بالعدد الصادر في شهرغشت 2006
http://www.newmanmag.net/archif/numero11/menu2/dossier.htm
الحلمُ الاقتصادي: المؤسّساتُ النقدية العالمية غيرُ مرتاحة لحسن توظيف أموال المهاجرين في المغرب.
العديدُ من المشرفين على المساطر الاستثمارية والإدارية لا ينظرون إلا إلى العلاقة التي يمكن أن تربط بين جيوبَ المهاجرين وجيوبَهم الشخصية بعيدا عن المصلحة العليا للبلاد.
تحتل تحويلاتُ المهاجرين المغاربة مرتبة هامة في تصنيف مصادر العُملة الصعبة بالبلاد. فهي تحتل ثاني مورد للعُملة الصعبة بعد الاستثمارات الخارجية، والمغرب لا يختلف في ذلك عن باقي الدول النامية.فما هو حجم هذه المداخيل وما هو أثرُها على الاقتصاد الداخلي؟ وهل يُحسن المغرب توظيفَ عائدات مُهاجريه في الخارج؟ وإلى أي مدى نجحت خططُه الأخيرة في جلب مزيد من الأموال؟
المهاجر المغربي أكثر كرما من غيره!!
حسب المعطيات الواردة في تقارير البنك الدولي فقد بلغت تحويلاتُ مهاجري الدول النامية إلى بُلدانهم الأصلية حوالي 80 مليار دولار سنتي 2001 و 2002، فيما فاقت 100 مليار دولار سنة 2003.
ورغم تفوق دول جنوب شرق آسيا في مجال التحويلات، فإن المغرب يتفوق على الدول الإفريقية وخاصة دول المغرب العربي، فحسب معطيات مكتب الصرف المغربي فإن البلاد استفادت مما يقرب من 35 مليار درهم سنة 2003 من مداخيل المهاجرين، وأنه بذلك يستفيد من أحسن التحويلات بالمقاربة مع جيرانه. إذ نجد أن هذه المداخيل شكلت نسبة 8% من النتائج الداخلي الخاص في المغرب، بينما لم تتعدَّ 5% في كل من تونس ومصر.
والسببُ لا يعود بأي شكل من الأشكال للتفوُّق العددي، بل يعود بالأساس إلى التحوُّلات الهامة التي عرفها المناخ العام في المغرب بدءا من أواسط التسعينات، إضافة إلى الخُطط الموجهة للعناية باستقبال المهاجرين بدءا من سنة 2000 والتي ساهم فيها العاهلُ المغربي بنفسه مما ساعد علي تفعيل المؤسسات المحدثة لهذا الغرض.
ويضاف إلى هذه الدوافع ارتباط المغربي بأرضه وبعائلته بشكل يجعله على موعد معهما مرة واحدة على الأقل في السنة.
إلا أن المؤسسات النقدية العالمية غير مرتاحة بما يكفي لحُسن توظيف أموال المهاجرين في المغرب، ولذلك تساءل صندوق النقد الدولي في إحدى تقاريره عن سرّ هذا الكرم المفاجئ بدءا من سنة 2000 وذكر أنه يصعب تفسير أسباب هذا التحول، لكنه نبه إلى ضرورة توظيف أموال المهاجرين في التنمية وتطوير الاقتصاد. وهو بذلك يشير إلي الانحرافات المحتملة في هذا المجال مما يعني أن المؤسسات الدولية لا تثق في المخططات المغربية بشكل كبير،
وفي الوقت الذي تتوفر فيه البلاد على الترسانة القانونية والضوابط الصارمة لمنع تسلل العُملة الصعبة إلى خارج المغرب، نجد في المقابل تفشيا واضحا لسوق سوداء للصرف تعبت بهذه العملة طولا وعرضا، والغريب في الأمر أن العديد من المسؤولين المغاربة لا يتوقفون عن التوجه في سفريات متعددة إلى الخارج غالبا ما تحضر أهدافها وتضيع نتائجها، لكنها تسبب بشكل خطير في تبخير مبالغ ضخمة من العملة الصعبة، لأن أغلب هؤلاء المسؤولين يتجاوزون السقف المسموح به في سفرياتهم أضعافا مضاعفة مستفيدين في ذلك من مواقعهم ومن غياب المراقبة الصارمة تجاههم في المطارات. ثم إن تفشي سوق سوداء بالبلاد تسمح للمسؤول بأن يكلف أحد أتباعه لجني ما شاء من دولار وأورو قصد التبضع والتمتع خارج البلاد، هذا ما لم نتحدث عن منافذ أخرى لتصدير العملة.
أثر عائدات المهاجرين على الاقتصاد الوطني

لقد ساعدت تحويلات المهاجرين المغاربة في الخارج على مواجهة العجز الذي عرفه الميزانُ التجاري المغربي في السنوات الأخيرة حيث هيمنت كفةُ الواردات على الصادرات بشكل كبير، وبذلك فقد غطت عائدات المهاجرين العجز الذي لم تستطع الصادرات جلبه من العملة الصعبة. كما أن هذه المداخيل ساعدت المغرب على أداء أقساط هامة من ديونه الخارجية، لكن المسؤولين الاقتصاديين المغاربة لم يستفيدوا من هذا المعطى بما يكفي، إذ سرعان ما ارتفعت المديونية الداخلية بشكل ملحوظ، وهو ما يعني حصول تخبط ملحوظ لضبط الوضع الاقتصادي الداخلي.
وكان من الممكن، أن تساهم هذه الأموال أيضا في تنشيط الاستثمارات المحلية وتنمية العديد من الجهات التي ينتمي إليها المهاجرون، لو أن البلاد وضعت خطة محكمة لتشجيعهم على ذلك، فالمساطر الإدارية في مجال الاستثمار لا زالت تقيلة ومملة، والفساد الإداري لم يسمح حتى الآن بالتوظيف الحسن لهذه الأموال، لأن العديد من المشرفين على المساطر الاستثمارية والإدارية لا ينظرون إلا إلى العلاقة التي يمكن أن تربط بين جيوب المهاجرين وجيوبهم الشخصية بعيدا عن المصلحة العليا للبلاد.
فكيف يمكن إذن تشجيع استثمارات المهاجرين؟؟
إن الخط التصاعدي لمداخيل المهاجرين في المغرب هو أمر إيجابي جدا، وبإمكانه المساعدة فعلا على ضبط الاختلالات المتعددة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني. لكن المخيف في الأمر أن الاستراتيجيات الموضوعة حتى الآن لا تأخذ بعين الاعتبار المدى البعيد لهذه الانعكاسات، وتكتفي بمخططات آنية قد تتغير في أية لحظة.
كما أن يالمسؤولين على عدم تفعيل الصادرات المغربية التي تواجه العديد من العراقيل رغم تنوعها، ولقد غردنا منذ عشرات السنين بأن تنويع الأسواق المستقطبة للصادرات المغربية أصبح أمرا ملحا، وبضرورة الانفتاح المدروس على السوق العربية والسوق الآسيوية وسوق أميركا اللاتينية، لكن هذه الخطط والمشاريع لا يمكن أن تؤتي أكلها دون محاربة جريئة للغش والارتشاء، وسلك مقاربة الجودة في الثمن والمنتوج، وهذا يدفعُنا بدون شك إلى ضرورةدا واحدة لا يمكن أن تصفق، وهو ما يعني ضرورة البحث عن استراتيجيات مندمجة، ومتكاملة لتنشيط المخزون المغربي من العُملة قصد مواجهة الصعاب المحكمة، ومن ذلك ضرورة إنعاش السياحة المغربية بعيدا عن التهليل والتطبيل الذي لا فائدة منه فقصة العشرة ملايين سائح ارهقت اعصابنا منذ ما يزيد عن عشرات السنين، ولا زلنا لم تنعم حتى الآن بحصيلتها،
كما أنه لا بد من وضع إطار متوازن للميزان التجاري المغربي، ومحاسبة إعادة النظر في أساليب المراقبة والتحقق والصحن الضريبي المفروض على التصدير وتسريع المساطر وتنشيط الموانئ والمطارات وتفعيل عمليات الشحن بها.
إن الملاحظ حتى الآن ان ما يفوق 80% من استثمارات المهاجرين تتم في مساقط رؤوسهم، أو قريبا من انتماءاتهم القبلية، لكن الملاحظ ايضا أن المناطق الفقيرة لا تستفيد من استثمارات مواطنيها المتواجدين بالخارج، والذين يتوجهون إلى اقرب المدن من مناطقهم لشراء العقارات أو تكوين مؤسسات تجارية صغيرة. والمغرب -إلى حد كتابة هذه السطور- بالرغم من إحداثه لمراكز جهوية للاستثمار وبالرغم من سنه سياسة ترحيب هادفة في وجه المهاجرين، لا زال يهتم بشكل كبير بأسلوب الصرف، أي تحويل العملة الصعبة بالعملة الداخلية، أأي بصور أخرى لا زال يهتم بالسيولة الآتية للمهاجرين ولا يولي اهتماما مركّزا لاستثماراتهم.
والمؤسف في الأمر أيضا أن الاستراتيجية الموضوعة إلى حد الآن لا تلتفت إلى عقول المهاجرين أكثر من اهتمامها بجيوبهم، وكأن البلاد في غنى تام عن خبرات وتجارب أبناءها المتواجدين في الخارج للاستفادة من استثماراتهم الاقتصادية وخبراتهم التكنولوجية والعلمية، إذ الصورة المأخوذة حاليا عن المهاجر المغربي هي ذلك العامل او المستخدم المتواجد في الخارج الذي يقوم بعمل عضلي في الغالب مقابل أجر يتلقاه بالعملة الصعبة.
وبالتالي فإن أعين المغرب تتوجه الى هذه النتيجة «العملة الصعبة»، في حين أن هناك كفاءات مغربية تعمل في الخارج في ميادين يفتقر المغرب إلى خدماتها، وبالتالي يجب الاهتمام بكيفية استقطابها واستثمارها إلى جانب الكفاءات المهنية والاقتصادية للعمال المغاربة بالخارج.
كما أن الحاجة أصبحت ملحة لإصلاح الوضع السياسي في البلاد، وخاصة المشهد الحزبي الذي لا يطمئن له المواطن المغربي الواعي بآفاق البلاد ومُستقبلها، فعلاقة المواطن المغربي بالأحزاب السياسية تتميزُ بالنفور وانعدام الثقة، اضافة إلى أن أغلب الأحزاب التي مارست المسؤولية إلى حد الساعة، لم تبُد كفاءة في التسيير الجيد والحكمة الرشيدة،
فالإدارة لا زالت على حالها بالرغم من المشاريع والوعود المتعددة لإصلاحها، كما أن الفساد لا زال قابعا في مكانه، وهي مفارقة غريبة في بلاد تستطيع تعبئة كل الوسائل لمحاربة حوادث السير لأنها تعلم أن الأمر يدر عليها أموالا داخلية كبيرة بفضل عائدات الذعائر، ولا تستطيع تعبئة نفس الموارد لمحاربة الفساد والرشوة بالرغم من أن ذلك سيدر عليها أموالا أكثر بكثير من الأموال المحصلة في حملات الحد من حوادث السير.
إن استثمارات المهاجرين لا زالت تجد أمامها عراقيل لم تحصى بسبب سوء المعاملة والثقل الإداري وتفشي الفساد والرشوة وبطء المساطير، وغالبا ما يواجهك المواطن الراغب في الاستثمارات بأن كل ما قيل إلى حد الساعة بخصوص تحصين الاستثمارات ما هي إلا شعارات وأبواق إعلامية.

عبد العزيز الرمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 9th, 2006 at 9 نوفمبر 2006 2:41 ص
الأخ عبد العزيز الرماني : مقال ممتع ومفيد. الغريب أن الصناديق الدولية لاتتوقف عن تقديمها للقروض لدول مثل المغرب مع علمها أن جزء أو كل تلك المبالغ لاتستثمر بالشكل الصحيح أو تتم سرقتها. والسبب على مايظرها رغبتها في الفوائد المرتفعة على تلك القروض.
أخوك أحمد
نوفمبر 9th, 2006 at 9 نوفمبر 2006 2:58 م
جهودك أخي أحمد وحرصك الكبير على ترصد وتتبع كل جديد في هذا الموضوع يقير لدي شهية إحياء المشروع الذي سبق أن كاتبتك حوله. خلية الدفاع عن اللغة الأم وإعادة اعتبارها. إن الفرنسية مشتقة من فرنسا والإسبانية من إسبانيا واليابانية من اليابان والإنجليزية من انجلترا واليونانية من اليونان والصينية من الصين وهلم جرا… فلماذا لا تعتني أمة العرب وخاصة دول المغرب العربي بلغتهم المشتقة من هويتهم…هل تعرف أنه لو تلقى فرنسي رسالة مكتوبة بغير لغته من أي إدارة لأقام الأرض ولم يقعدها .. وقد حصل هذا الأمر في فرنسا وغيرها…خوفي أن يصبح القضاء المغربي مفرنس ونحن على الأبواب ما لم تنهض يا أحمد وينهض معك الآخرون وأنا أولهم…سلاحنا أننا “نتقن أكثر من لغة …لكننا نحب لغة الوطن”