متاهاتُ الاقتصاد المغربي وألغازُه!

كتبهاabdelaziz ERROMMANI عبد العزيز الرماني ، في 19 يوليو 2006 الساعة: 15:03 م

 

كتب عبد العزيز الرماني بمجلة "الإنسان الجديد" عدد ماي 2006 http://www.newmanmag.net/archif/numero8/menu2/economie.htm

أصدر البنك الدولي يوم 14أبريل 2006 مذكرة مطولة عن الوضع الاقتصادي في المغرب والمشاكل التنموية التي يتخبط فيها، وملخصُ هذه المذكرة أن البنك الدولي يرى أن المغرب لم يحقق إلى الآن التنمية المرجوة بالرغم من كل الجهود المبذولة، وأن مشاكل التشغيل والفقر والارتفاع المهول للضرائب وضعف التكوين التأهيلي للمواطنين، تشكل عراقيل حقيقية لتحقيق القفزة المرجوة في النمو.             

 لذلك طالب البنك الدولي من جديد دولة المغرب بالإسراع بإدخال تصحيحات فعلية على نظامه الضريبي والجمركي وخلق مرونة في سوق الشغل، وإحداث مرصد لتتبع مسار التنمية وتتبع انفتاح المغرب على السوق الجمركية.

 فلماذا يتحرك البنك من جديد تجاه دولة المغرب، وهو الذي رافقها طيلة خمسين سنة في كل خطواتها لدخول القرن21؟ ولماذا يتحرك كل مرة للتعبير عن انزعاجه من المسار التنموي بالمغرب في حين لا يتواني هذا البنك في إغراق المغرب بالديون الثقيلة؟ وما هي الحلول المقترحة من جديد من طرف هذا البنك للنهوض بالاقتصاد المغربي؟

 ذكّر فإن الذكرى تنفعُ… إن المتتبع للتقارير التي تصدرها المنظمات المالية الدولية عن المغرب سيجد دائما أنها تتوفر على بعض المدح الذي تتلوه جملة من التحذيرات والتنبيهات ونواقيس الخطر، وقد اعتادت الحكومات منذ الستينات إلى اليوم أن تهلل وتفتخر بالأجزاء الخاصة بالمدح والتنويه، مُديرة بظهرها عن الأجزاء الخاصة بالتحذير والتنبيه إلى أن جاء تقرير سنة 1995 الصادر عن البنك الدولي بطلب من الملك الراحل الحسن الثاني، حيث تم التركيز حينها علي الأجزاء المتعلقة لنواقيس الخطر.

لكن كلما أصدر البنك الدولي، وهو أبرز ممول للحكومات المغربية تقريرا محذراً للمغرب، كلما جاء حليفُه صندوق النقد الدولي ليُنوه ويُشيد بجدية المغرب وجهوده المبذولة لمحاربة التضخم وعجز الميزانية واسترجاع الدين الخارجي.

 لكن سواء تعلق الأمر بالبنك الدولي أو بصندوق النقد الدولي، فإنهما لم يتوقفا منذ الستينات من تنبيه المغرب إلى خطورة أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية وضعف النمو واتساع رقعة البطالة وبطء الإصلاحات.

 وقد ذكر صندوق النقد الدولي في آخر تقاريره أن الاقتصاد المغربي لم يستطع إلى الآن الخروج بنفسه من الهشاشة وأن هذه المؤثرات قد تعيده من جديد ليواجه شبح التضخم وعودة المديونية لسابق حالها وارتفاع العجز التجاري إلى أقصى حدوده، وكل هذه العوامل هي التي دفعت هذه المؤسسات النقدية إلى التدخل سابقا لفرض تقويم هيكلي دام أكثر من عشر سنوات.

إن المحير في آمر البنك الدولي وحليفه صندوق النقد الدولي، أنهما عايشا المغرب وشاركاه مسيرته منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، لكنهما مع ذلك يشهدان أن المغرب لم يستطع إلى الآن الخروج من عنق الزجاجة وتقويم اقتصاده والخروج من دائرة الخطر، وفي نفس الوقت ظل المغرب يلعب أمام الأبناك دور الطفل النجيب الذي يطبق الإملاءات بحذافيرها ويُؤدي الديون بكل فوائدها، وهو يحلم دائما بعلامة جيدة من أستاذه أو شهادة حسن السلوك من مرشده.

 فمنذ بداية الستينات أثقلت الأبناك الأجنبية كاهل المغرب بديونها المتعددة، حينما أغرقته في أزمة خانقة بدءا من سنة 1964 جاء خبراء البنك الدولي ليُصدروا توصياتهم للمغرب وإملاءاتهم له «بشد الحزام» فاختلط عليه الحابل بالنابل وهو في بداية السبعينات، حيث ما أن قرر الانفتاح والعودة إلي النظام الديمقراطي حتى فوجئ بمحاولتين انقلابيتين قادهما مقربون للملك الراحل، ليتوجه المغرب بعد ذلك إلى التركيز على وحدته الترابية والدخول في منعرجات عسكرية ومواجهات مع الفئات الرافضة للانضمام من الصحراويين الممولين من طرف الجزائر.

 وابتداءا من 1976 عرفت مؤشرات العجز الداخلي للمغرب ارتفاعا كبيرا جعل الملك الحسن الثاني يلتجئ من جديد إلى البنك الدولي الذي أصدر تقريراً جديداً سنة 1978 تضمن تعليمات صارمة لتجاوز الأزمة الجديدة، وتتمثل في مراجعة الضرائب وسن سياسة تقشفية، أدت إلي توترات اجتماعية سنة 1980و1981 لأنها سببت غلاء المعيشة وازدياد حدة الفقر والبطالة، فارتبكت من جديد خطوات البلاد بين الوفاء للإملاءات الخارجية والاستجابة للالتزامات الداخلية.

 وبين سنتي 1982و1992 أملت المؤسسات النقدية على المغرب سياسة التقويم الهيكلي التي حسنت من أداء المغرب لديونه الخارجية وساءت الأوضاع الاجتماعية، إذ خلفت وراءها عشرات الالاف من العاطلين ، والتراجع الخطير للقدرة الشرائية لدى الطبقة المتوسطة في المغرب، وهو ما جعل البلاد تُسرع من جديد لبيع مؤسساتها إلى القطاع الخاص عساها تنعش خزينة الدولة من جهة وتحل أزمة التشغيل بالمغرب، وهو ما لم يتأتّ رغم تنازل الدولة على قطاعات حيوية كبيرة .

وفي سنة 1995 أعلن الملك الحسن الثاني من أعلى منصة البرلمان المغربي أن الاقتصاد المغربي قد يُصاب بسكتة قلبية ما لم نسارع إلي إصلاحات حقيقية تهم الإدارة والقضاء والاقتصاد وأن البنك الدولي أصدر تقريرا مفصلا بطلب منه يضم أهم التوجيهات لإصلاح هذه الاختلالات، ومباشرة بعد الخطاب الملكي عمت الصحافة تقارير وتحاليل حول هذا التقرير وعقدت ندوات كثيرة ونقاشات برلمانية وفكرية واقتصادية ليخبو بعد ذلك نجم هذا التقرير الجديد، ولتُطْوى صفحته نهائيا حتى أن المرء يكاد ينسى أن يوما ما اهتز المغرب لتقرير يحذر المغرب من السكتة القلبية.

 وفي سنة 1999 وعلى بُعد أيام قليلة من رحيل الملك الحسن ألقى جلالته خطاباً شهيرا في ذكرى عيد الشباب أشار فيه إلى قرار هام وهو تحويل المليار دولار المحصلة من مداخيل خوصصة جزء من اتصالات المغرب إلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبنيوية.

 وها هو البنك الدولي يطل علينا بتقرير جديد يضم معطيات أخرى لا تبعث عن الارتياح وهو الذي « يُغْدقُ« على المغرب سنويا بأكثر من 300 مليون دولار كدين على دين، ومع ذلك يتساءل لماذا لا يقدر الجمل على الوقوف؟

 ماذا يقول التقرير الأخير؟ يقول التقرير إن التنمية بالمغرب لم تتجاوز حتى الآن 4٪ وإن البطالة فاقت نسبة 12٪ وإنه لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية ما لم تتجاوز نسبتُها 6٪ وإن الاختلالات التي تعاني منها البلاد كثيرة ومنها على الخصوص:

 - أزمة سوق التشغيل .

 - ضعف التكوين التأهيلي وعدم ملاءمته للتحديات الاقتصادية.

 - غياب سياسة واضحة للتنافسية واحتشام الانفتاح المغربي على الخارج.

 - تعدد التعقيدات الجمركية.

 - شيوع عمليات القرصنة والتقليد في المجالين الصناعي والفكري.

 - غياب سياسة تنسيقية واضحة بين القطاعين الخاص والعام.

 وحسب هذا التقرير فإن المغرب من أعلى الدول فرضاً للضرائب ومن أكثرها تعقيداًِ في الحقل الجمركي.

 لذلك فالبنك الدولي ينصح المغرب بإحداث جهاز سام خاص بالتنمية والتجارة الخارجية وتحديث نظامه الضريبي وجعل مساطره المصرفية أكثر مرونة وإعادة النظر في أنظمته المتعلقة بالحماية الجمركية.

 وقد سبق للبنك الدولي أن طالب المغرب في استراتجيته للفترة من 2005 إلى 2009 بإحداث منافذ جديدة للشغل للعُشرية القادمة قصد مواجهة الفقر والتوتر الإجتماعي، ونصحه حينها أيضا بتنويع موارده الاقتصادية والتخفيف من الضغط الضريبي.

 أثرُ هذا التقرير… لا أعرف لماذا يغضب البنك الدولي من المغرب ويحتار في أمره وهو نفسُه الذي أثقل كاهله بالقروض المرتفعة الفوائد؟!

 ولا أعرف لماذا لا يكون هذا البنك أكثر صراحة في تقاريره ويقدم تشخيصاً واقعيا للمجالات التي تصرف فيها أموال المغاربة، فالفساد الإداري في المغرب أزكمت رائحتُه كل الأنوف، والبنكُ الدولي يعرف أن المغرب مصنفٌ عالميا من بين أكثر الدول تعاطيا للرشوة، وأنه مصنفٌ بين الدول المتأخرة جدا في مجال التنمية البشرية.

 لقد صرخنا بأعلي ما لدينا من أصوات أن الواقع المغربي يتطلب وقفة جدية لمحاربة الفساد وتهريب الأموال وتحويل خيرات البلاد إلى جيوب من لا ضمير لهم، وها هي جمعيات المجتمع المدني لا تكل ولا تمل من تكرار مثل هذا الكلام.

 ثم إن الجميع يعرف أن توصيات البنك الدولي بالرغم من أهميتها فهي غير مُلزمة للمغرب خاصة أن الدولة رفعت أيديها عن أهم القطاعات الحيوية ضمن مسلسل الخوصصة المشهور.

 فلماذا هذا الضجيج الذي لا يُغني ولا يُسمن من جوع؟ وقد سمعنا مثله سنة 1995 حتى اهتزت جوانبُنا وبَحَّتْ حناجرنا، فماذا تحقق؟

 مادام البنك يقول إن الفقر والبطالة تزداد حدتهما. لقد طالبنا ولا زلنا نطالب بأن يسهر على الإصلاحات الإدارية والاقتصادية أُناس صالحون، وقلنا أكثر من مرة أن «لا إصلاح بدون صلاح« وقلنا إن الرشوة تخرب اقتصاد البلاد، وإن الإصلاحات التي أعلن عنها عبر العُشرية السابقة لم تجد طريقها إلى التفعيل، وأن القوانين مجمدة في حق الكبار ومُفعلة في حق المغلوبين على أمرهم، وأن الموظف المغربي في أعلى سُلَّمٍه يظل فقيراً، وأن الطبقة المتوسطة في المغرب مسحوقة وتتمرغ في التراب، وأن الانتعاش الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بدون مراجعة لواقع هذه الطبقات.

 قال الشاعر: ولقد أسمعت لو ناديت حياً   ولكن لا حياة لمن تنادي

نشر بمجلة الإنسان الجديد عدد ماي 2006 و يوجد على موقعها بhttp://www.newmanmag.net/archif/numero8/menu2/economie.htm

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “متاهاتُ الاقتصاد المغربي وألغازُه!”

  1. أخي عبد العزيز الرماني، شكرا أولا على مرورك وعلى تواصلك، وأحيي فيك اهتمامك بشأن بلدنا المغرب، ووقوفك على مكمن الداء فيه.إن من يكتوي أكثر بنار الدين وضغوط صناديق االنقد (عفوا : النهب ) الدولي هم أبناء الشعب المغربي المعرضون لنار ه وشواظه في العراء والخلاء بشكل مباشر ومركز، أما المتنفذون والسماسرة داخل هذا البلد فمظلتهم وواسعة ووارفة … فهم في برد وسلام…!!نحتاج في هذا البلد إلى تنمية حقيقية نابعة من خصوصية هذا البلد تتلاءم مع إرثه الحضاري المشرق… ولكن هذا ما لا يدركه كثير من المتفرنسين الذي مسخوا هذا البلد وألسوه عباءة فرنكفونية لا تتلاءم مع سحنته …. ومن يلتفت إلى الأصوات الحية المخلصة داخل هذا البلد العزيز، وحدهم المتسلقون والوصوليون والمنتفعون من يملأ فضاء هذا المغرب هرجا ومرجا، تسمع لهم جعجعة ولا ترى طحينا ….!!! والحال في ترد مستمر…شكرا أخي عبد العزيز ومزيدا من العمل والتواصل

  2. شكؤا أخي عبد اللطيف على اهتمامك وتواصلك

  3. اشكرك على زيارتك وتواصلك ، واهتمامك بالكفاءات المغربية بالخارج والتي ينبغي حقيقة الاستفادة منها من اجل المساهمة الفعالة في تنمية بلدنا العزيز بعيدا عن المصالح السياسوية الضيقة.
    http://www.maktoobblog.com/chababonamag

  4. شكرا جزيلا أخي محسن وسأزودك في القريب العاجل بآخر ما كتبته حول هذا الموضوع بعد نشره في الصحافة الوطنية مباشرة . فتحية من أخيك عبد العزيز

  5. أبو سلمى يقول :
    صراحة ليس لذي تعليق إزاء مدونتك ،لأنها تقارب ما لايقاربه الأخرون ،و هذا هو الشيء الجميل الذي تطمح له كل مدونة ،أي أن تنفرد بخاصية لا تجد نظيرا لها في مكان أخر .
    تحياتي .
    لقد أصبت الجرح.
    أبو سلمى

  6. معضلة الاقتصاد المغربي أخي عبد العزيز أنه في أكثر صوره طهارة، مبني على الغش والتحايل والتزوير والطرق الملتوية، في الإنتاج والتسويق وما يرافق ذلك، الغش الذي أصبح عملة متداولة يؤمن بها رجال المال والأعمال “الشرفاء” أيضا،، الكل يتهرب من الضرائب، يكذب في التصاريح الموجهة لمفتشيات الشغل وصندوق الضمان الاجتماعي، الكل يكذب يزور بونات الشراء والبيع، الكل يرشي من أجل التصدير أو الاستيراد، الكل الكل.. كيف يمكن ألاّ يذهل الاقتصاد المغربي العالم كله. أما عن الاقتصاد الخفي، فحدث ولا حرج، إذ لايعرف المراقبون والمحللون الاقتصاديون ماذا يفعلون بأموال المخدرات الكثيرة التي حين يبيضها أصحابها، تدفع الاقتصاد الوطني إلى أعلى الأعالي، فحلل وناقش. شكرا على هذا المقال الجميل أيها العزيز

  7. الأخ عدالعزيز: لقد طال غيابك أتمنى أن تكون في أحسن حال. وبالمناسبة، فلقد دخلت على الموقع المشار إليه أعلاه وتشرفت برؤية صورة لك هناك! شكرا على الموضوع القيم. اخوك احمد

  8. الاشتراكيةهي الحل لأنه من خلال التخطيط المعقلن والديمقراطي للاقتصاد تحت رقابة المنتجين سيتمكن الاقتصاد المغربي من الخروج من المأزق الذي أوصلته إليه الطبقة السائدة الطفيلية

    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر